محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
525
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأيّ امرئ أشدّ تعدّيا وأجرا على اللّه من أمرى منع مساجد اللّه أن يعبد فيها ومنع العابدين من دخولها والعكوف عليها ؟ ! والمنع إنّما يقع على العابدين والتخريب إنّما يقع على المساجد ؛ والمساجد مواضع السجود وهي الأبنية المعروفة بيوت العبادة ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها لي طهورا أينما أدركتني الصلاة تيمّمت وصلّيت » 585 ولقد كانت بيوت العبادة مبنية على إشارات خاصّة من الوحي ، وكان لا يجوز ( 229 آ ) الصلاة إلّا فيها ؛ فرخّص اللّه تعالى لهذه الأمّة أن جعل الأرض كلّها مسجدا والتراب كلّه طهورا ، لئلّا تتأخّر العبادة عن الوقت الموظّف لها . وقوله : أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ في محلّ النصب « 1 » ، لوقوع المنع عليه ، والمنع يتعدّى إلى مفعولين ويجوز أن يكون بنزع حرف الصفة . تقديره : من أن يذكر فيها اسمه ؛ ومعناه : يعبد فيها ويصلّى فيها ؛ ويسعى في خرابها : أي عمل وحرّض الناس على خرابها ؛ وخراب البيت بجلاء العابدين عنه . أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أي ما ينبغي لهم أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ . قال ابن عبّاس « 2 » لم يدخل بيت المقدّس رومي إلّا خائفا لو علم به قتل ؛ وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل ؛ وقال السدّي : أخيف بالجزية . قال أهل المعاني : ظاهره خبر ومعناه أمر ، أي جاهدوهم حتّى لا يدخلها أحد إلّا خائفا من القتل والسبي ، نظيره وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ أي لا تؤذوا ولا ينبغي لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده . قال ابن عبّاس في رواية عطاء : هذا وعد من اللّه تعالى للمؤمنين حيث جعل المسجد حرما آمنا يأمن فيه المؤمنون ويخاف فيه المشركون جزاء لهم على منعهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - والمؤمنين من دخول المسجد الحرام ؛ وهذا التفسير على القول الأشبه أشبه وأقرب . لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ . قال مقاتل والسدّي والكلبي عن ابن عبّاس : الخزي في الدنيا فتح الروم ومدائن قسطنطينية ؛ فيقتل مقاتليهم ويسبي ذراريهم . قال السدّي : خزيهم في الدنيا فتح قسطنطينية عند خروج المهديّ . قال قتادة :
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .